اخبار الخليج / اخبار السعوديه

الناس حجر وطوب

Sponsored Links

Sponsored Links

الدنيا مسرح، وهي ربما في أحد أوجهها مسرح كبير. كما كان يصفها بفخامة وزهو عميد المسرح العربي الراحل يوسف وهبي. وكل منا يمكن أن يُمسرح حياته، وقصته في هذه الدنيا مهما طالت، او قصرت. الأبعد من ذلك يمكن للمرء ان يُمسرح جزءا يسيرا من تجربته، اذا امتلك الادوات اللازمة، وتمكن من فنيات تسليط الضوء والتقاط اللحظات المهمة، أو تلك الاكثر اهمية.

دفعني للمقدمة السابقة مطالعتي لما دوّن على «سيرة روائية» كتبها رجل من أبناء عالمنا العربي ببساطة وتلقائية تتناسب مع طبيعته الشخصية، ربما او مع ما يتمنى ان يكون عليه كانسان يقدم او يعرض حياته للناس. ذاك هو المغربي أحمد المرزوقي الذي حاول ان يعيد انتاج حياته التي تمتد اليوم الى تسعة وستين عاما في رواية أعطاها اسم المكان الذي قبع فيه رغما عن ارادته ما يقرب من ثمانية عشر عاما، عانى فيها صنوفا من الشدة والقهر والقسوة. الاسم كان ببساطة «الزنزانة رقم ١٠» وهذا كان عنونا فرعيا، اما العنوان الرئيس فكان «تازمامارت» وهو اسم لقرية على أطراف الصحراء، حوت يوما ما معتقلا قيل وكتب عنه انه مكان أُنشئ في زمنٍ خطأ في مكان خطأ وارتكبت فيه افعال خاطئة كثيرة. وبعيدا عن تاريخية الحدث وأبعاده السياسية وتقاطعات الصراعات والمصالح فيه بين أهل الدار الواحدة من سلطة، وإدارة، وبشر يبقى من المفيد التذكُر ان تلك الفترة التي نبت فيها الحدث كانت من الفترات الحرجة في تاريخ منطقتنا العربية، وفي تاريخ العلاقات العربية البينية في منطقة شمال إفريقيا، وهي في ذات الوقت من الفترات الضاغطة والحرجة في انطلاقة البناء السياسي في المملكة المغربية، ويكفي أن نعرف على عجالة أن تلك الفترة عرفت بـ«زمن الرصاص» وهذا التعبير يحمل الكثير من الدلالات التي لا تخفى على أحد. ومنها تحديات كانت تواجه المجتمعات في شمال إفريقيا وفي المغرب ربما بوجه خاص.

النافذة الارحب ربما التي يمكن منها اعادة قراءة السيرة بشكلها الروائي، ومطابقتها مع مقتضيات الواقع، ومصالح الناس، واستقرار البلاد تجعل القارئ أمام حيرة كبيرة، حيث سيقف امام اعمدة او مفاصل رئيسة لا يمكن تجاوزها المفصل الأول عناصره، دولة في طور النمو، ومجتمع يسعى للتخلص من الماضي الاستعماري، ويسعى للتقدم الى فضاءات التنمية بكافة صورها، وقيادة تسعى لإكمال الدور التاريخي في حياة البلاد والعباد، وفي المقابل المفصل الثاني الرئيس هو الفعل المضاد لكل امال الناس، يسعى وعبر القوة والسلاح، واراقة الدماء الى اعادة صياغة المجتمع، وتغيير هوية القيادة، وادخال البلاد المغاربية، وربما المنطقة في دوامة من الفوضى. هذا ما يمكن ان يفهم وبوضوح من السياقات العامة للسيرة المروية.

السياقات الاخرى يعتريها كثير من الغموض في فهم القارئ لها بعد هذه السنين، كما يتضح ان تأثير العاملين الرئيسيين السابقين خلق كثيرا من الارباك الذي قاد بدوره الى بعض التصرفات الزائدة عن الحاجة للجميع.

ومن المؤسف ان مسرح الحياة احيانا يكون محكوما بقاعدة الاخطاء القاتلة وهي الزمان الخاطئ، والوقت الخاطئ، والتصرف الخاطئ. والتي اذا اجتمعت تذهب بالافراد، والمجتمعات إلى مسالك الصراع الثانوية التي تجعل أفكار التقدم، والتنمية ومفاهيم الحق والعدل والخير والجمال أمورا لا مكان لها.

ومختصر السيرة الروائية لأحمد المرزوقي، أنه وصل إلى هذا العالم في سنة ١٩٤٧م في شمال المغرب وتحديدا في قرية «بوعجول» ومنها انتقل الى مدينة «غبساي» وانطبقت عليه وبشكل عجيب عناصر النظرية القاتلة حيث كان في مرحلة شبابه ضابطا في مدرسة «أهرمومو» العسكرية، ذات السمعة الممتازة بكفاءة كوادرها، وهذا هو العنصر الاول، اما العنصر الثاني فكان ان قائد المدرسة الكولونيل محمد إعبابو يخطط لإحداث تغيير في النظام الاجتماعي المستقر في البلاد المغربية مستخدما منسوبي المدرسة دون وعي أو دراية منهم. العنصر الثالث، وهو الفعل القاتل، تمثل في ان الضابط احمد المرزوقي وتبعا للتربية العسكرية التقليدية القائمة على الطاعة العمياء شارك مع مئات من منسوبي المدرسة في الفتنة، والكارثة. عند هذه النقطة كان مسرح حياة الرجل والمسرح العام للبلاد المغربية في محنة حقيقية ويعرف الكثيرون ان كل تلك الاخطاء افرزت ما يعرف بأحداث قصر الصخيرات 1972م التي تمت كمحاولة لتخريب النظام وإحداث الفوضى، المهم وهو خلاصة أرى من الطبيعي الخروج بها من هذه السيرة الروائية، ان التعامل مع هؤلاء المغرر بهم جاء قاسيا، وهذا مفهوم الى حد كبير، ومع ذلك فان كثيرا من المؤشرات في سير المحاكمات وفي احكام السجن التي صدرت على الجناة اقلقت المناخ العام في الداخل المغربي، واثرت سلبا على سمعة البلاد. وهذا مرده او مرد جزء كبير منه ان التعامل مع الامر رغم خطورته وعدم مقبوليته تم بما يمكن تسميته بالنفس الغاضبة التي اذا حلت على متخذ القرار، والذي يتوقع منه العدل والإنصاف وقبل ذلك التفهم لحقائق الامور تحول الى مصدر انتقام مع كل اسف. يضاف الى ذلك امر مهم وهو ضعف، وعدم رسوخ اجراءات التقاضي واثبات الحقائق في بعض الدول النامية.

صاحب السيرة الروائية ورفاقه الذين قطنوا تازمامارات لما يقرب من عقدين من الزمان، وبلغ عددهم ثمانية وخمسين رجلا لقي نصفهم تقريبا حتفهم في ذات المكان وقاسوا عددا من المصاعب التي لم يكن لها داع حقيقي، وفتحت ابوابا لمزايدة ما يسمى بجمعيات حقوق الانسان وكذا بعض الدول التي تزعم زورا دفاعها عن تلك الحقوق وذلك من اجل إحداث ضغوط مجانية لا أكثر.

القراءة الاخرى للسيرة الروائية تبقى خطا موازيا من الفهم والتحليل والتفسير، وتبقى القراءة المباشرة للمشاعر والعواطف والظروف، والملابسات سِفرا آخر يعج بالحكايات والشروحات والسياسة والتاريخ واللغة والامثال والناس وطبائعهم، وأصنافهم كما يؤكد صاحب السيرة انهم أشكال، وأنواع، ومنهم الحجر، الذي تتحطم عليه قلوب وأحلام الناس، ومنهم الطوب الذي تُبنى به بيوت الحب والسلام والمستقبل.

شكرا لمتابعتكم خبر عن الناس حجر وطوب في عيون الخليج ونحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري اليوم السعوديه ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر عيون الخليج وانما تم نقله بالكامل كما هو، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي اليوم السعوديه مع اطيب التحيات.

Sponsored Links

قد تقرأ أيضا